يوميات مجنون من الصين

سارة الليثي

4 ديسمبر 2020

 

    المجموعة القصصية يوميات مجنون لعميد الأدب الصيني الحديث لوشون هي أول محطة تعارف بيني وبين الأدب الصيني الذي لم يسبق لي التعرف عليه من قبل، فلم أقرأ أي من الأعمال الأدبية الصينية سواء من التراث القديم أو الأدب المعاصر على الرغم من رغبتي الدائمة في الاطلاع على كتب التاو وكتب الكونفشيوسية والأساطير الصينية القديمة ولكن لم يحالفني الحظ من قبل، حتى وجدت المجموعة القصصية يوميات مجنون للأديب الصيني لوشون بالصدفة في معرض القاهرة الدولي للكتاب في الجزء الخاص بالهيئة المصرية العامة للكتاب.

    لم أتردد لحظة في اقتنائها، ومنيت نفسي بوجبة دسمة من القراءة الأدبية وقد كان بالفعل، فقد أمضيت معها وقتاً رائعاً لم أحظى به منذ فترة طويلة، أتنقل من قصة لأخرى وكأنني أجوب معها أرجاء الصين وأعيش فيها كل العصور رغم أن قدماي لم تطأها من قبل، وقد كانت المقدمة التي وضعها المترجمين من الصينية إلى العربية: أحمد السعيد وحسانين فهمي حسين خير تقديم للمجموعة القصصية ولكاتبها الكبير لوشون الذي قد لا يعرفه الكثير من القراء العرب كما لا يعرفون الكثير عن الأدب الصيني.

     ففي قصة يوميات مجنون قدم من خلال بطل القصة المجنون دعوة لإصلاح المجتمع في إطار فانتازي، فقد تصور أن أولئك الناس المتمسكين بالعادات والتقاليد البالية إنما يأكلون لحوم الناس ولا بد أنهم يستسيغونها لكثر ما أعتادوا عليها ولكن لا بد أن الأطفال الصغار لم يألفوها بعد لذا فإن السبيل الوحيد للنجاة هو إنقاذ الأطفال وابعادهم عن هذا الجو الموبوء، وفي قصة الدواء عاد أرق لوشون القديم بالطب ليظهر من جديد، فقد ندد فيها باتباع أساطير الطب الصيني القديم الذي ينصح مريض السل بتناول خبز مغمس بالدم البشري للشفاء، وكان السبيل للحصول على هذا الدم هو رشوة الجلادين الحكوميين للحصول على دم الثوار الذين يتم اعدامهم عقوبة لهم على رغبتهم في الإصلاح؛ فكانت النتيجة هي موت المريض والثوري ليدفنوا جنباً إلى جنب!

    بينما في قصة حادثة فقد حاول لوشون تسليط الضوء على البسطاء الذين يتمتعون بأخلاقيات عالية تجعلهم يعترفون بأخطائهم مهما صغرت ويتقبلون عاقبتها بصدر رحب ولا يهربون منها حتى لو لم يكن عليهم من رقيب سوى أنفسهم، وفي قصة عاصفة في فنجان ينتقد لوشون الأدباء الذين يكتفون بمشاهدة العالم الذي يصورونه في قصصهم ورواياتهم من بعيد بحيث لا يرون الحقيقة، وذلك من خلال مجموعة من الأدباء يمرون بقاربهم علي قرية فيحسدون فلاحيها على حياتهم الهانئة السعيدة، بينما يقترب لوشون من أهل القرية أولئك ليجسد لنا معاناتهم وما يرزحون تحته من ضغوط المجتمع الإقطاعي وخبالات الحكام التي تمنعهم حتى من التصرف فيما يخص جسدهم الخاص، فتارة يتم منع تطويل الشعر وإعدام الرجال ذوي الضفائر، وتارة أخرى يجبروا على تطويل شعورهم دون أن يكون لهم أدنى رأي فيما يخصهم!

   وهناك أيضاً قصة أكيو الحقيقية والتي تصلح أن تكون نوفيلا منفصلة لا قصة قصيرة، فهي صرخة في وجه المجتمع الصيني القديم الذي أفرز الكثيرين من أمثال آكيو الذين يحيون بلا هدف ولا معنى للحياة ولا يفقهون فيها شيئاً ويعدون احتمالهم للأذى والمذلة دون حزن وانكسار هو انتصار في حد ذاته، وكان هناك أيضاً قصصاً ممتعة تمثل نوستالجيا الحنين إلى الماضي والأماكن الخاصة والتي ربما لقارئ غير صيني تساعده على التوغل في تفاصيل الحياة الصينية الشعبية والاحساس بها، وذلك مثل قصص: بيتي القديم وأوبرا القرية وفي حانة النبيذ.

   واختتم لوشون المجموعة القصصية يوميات مجنون بقصتيه الطيران إلى القمر وصانع السيوف، وهما قصتين مستمدتين من الأساطير الصينية القديمة، وهما وإن كان القارئ غير الصيني قد يصعب عليه التعاطي معهما وإدراك رمزيتهما لعدم تواصله مع الأساطير الصينية القديمة وإدراكه لخلفياتها وما ترمي إليه، إلا انه حتماً سيستمتع بهما وبما تبعثه في عقله من خيال وسحر الشرق الأقصى، كما استمتع بكل قصة في تلك المجموعة القصصية الثرية والسخية.

   هل قرأت هذه المجموعة القصصية من قبل؟ وإذا لم تكن قرأتها فهل شجعك هذا المقال على البحث عنها وقرائتها؟

كتب سارة الليثي
يقدم تقرير